ابن رشد
324
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
فقط شبه المأمور بالآلة التي لا تنطق ، ومن رأى الحد على غير المباشر اعتمد أنه ليس ينطلق عليه اسم قاتل إلا بالاستعارة . وقد اعتمدت المالكية في قتل المكره على القتل بالقتل بإجماعهم على أنه لو أشرف على الهلاك من مخمصة لم يكن له أن يقتل إنسانا فيأكله . وأما المشارك للقاتل عمدا في القتل ، فقد يكون القتل عمدا وخطأ ، وقد يكون القاتل مكلفا وغير مكلف ، وسنذكر العمد عند قتل الجماعة بالواحد . وأما إذا اشترك في القتل عامد ومخطئ أو مكلف وغير مكلف ، مثل عامد وصبي أو مجنون ، أو حر وعبد في قتل عبد عند من لا يقيد من الحر بالعبد ، فإن العلماء اختلفوا في ذلك ، فقال مالك والشافعي : على العامد القصاص وعلى المخطئ والصبي نصف الدية ، إلا أن مالكا يجعله على العاقلة ، والشافعي في ماله على ما يأتي ، وكذلك قالا في الحر والعبد يقتلان العبد عمدا أن العبد يقتل ، وعلى الحر نصف القيمة ، وكذلك الحال في المسلم والذمي يقتلان جميعا . وقال أبو حنيفة إذا اشترك من يجب عليه القصاص مع من لا يجب عليه القصاص ، فلا قصاص على واحد منهما وعليهما الدية . وعمدة الحنفية : أن هذه شبهة ، فإن القتل لا يتبعض وممكن أن تكون إفاتة نفسه من فعل الذي لا قصاص عليه كامكان ذلك ممن عليه القصاص ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : ادرأوا الحدود بالشبهات وإذا لم يكن الذم وجب بدله ، وهو الدية . وعمدة الفريق الثاني : النظر إلى المصلحة التي تقتضي التغليظ لحوطة الدماء ، فكأن كل واحد منهما انفرد بالقتل فله حكم نفسه ، وفيه ضعف في القياس . وأما صفة الذي يجب به القصاص ، فاتفقوا على أنه العمد ، وذلك أنهم أجمعوا على أن القتل صنفان : عمد ، وخطأ . واختلفوا في هل بينهما وسط أم لا ؟ وهو الذي يسمونه شبه العمد ، فقال به جمهور فقهاء الأمصار . والمشهور عن مالك نفيه إلا في الابن مع أبيه ، وقد قيل : إنه يتخرج عنه في ذلك رواية أخرى . وباثباته قال عمر بن الخطاب وعلي وعثمان وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري والمغيرة ، ولا مخالف لهم من الصحابة ، والذين قالوا به فرقوا فيما هو شبه العمد مما ليس بعمد ، وذلك راجع في الأغلب إلى الآلات التي يقع بها القتل ، وإلى الأحوال التي كان من أجلها الضرب . فقال أبو حنيفة : كل ما عدا الحديد من القضب أو النار وما يشبه ذلك فهو شبه العمد ، وقال أبو يوسف ومحمد أشبه العمد ما لا يقتل مثله وقال الشافعي : شبه العمد ما كان عمدا في الضرب خطأ في القتل : أي ما كان ضربا لم يقصد به القتل فتولد عنه القتل . والخطأ ما كان خطأ فيهما جميعا ، والعمد ما كان عمدا فيهما جميعا وهو حسن فعمدة من نفى شبه العمد أنه لا واسطة بين الخطأ والعمد ، أعني بين أن يقصد القتل أو لا يقصده . وعمدة من أثبت الوسط أن النيات لا يطلع عليها إلا الله تبارك وتعالى وإنما الحكم بما ظهر . فمن قصد ضرب آخر بآلة تقتل غالبا كان حكمه كحكم الغالب ، أعني